ترى الكاتبة أنجي عمر في مستهل مقالها أن موجة التصعيد الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أعادت إنتاج خطاب قديم يقوم على مفاهيم “الردع” و”الاستقرار” و”الأمن الوقائي”، بينما تخفي هذه المصطلحات واقعاً أعمق يتمثل في استفادة قوى إقليمية ودولية عديدة من استمرار الفوضى والصراعات داخل الشرق الأوسط.
ونشر مركز كارنيجي للشرق الأوسط المقال الذي يناقش جذور ما تصفه الكاتبة بـ”الحروب الأبدية”، مؤكدة أن الأزمات لا تستمر فقط بسبب تعقّد الحلول، بل لأن أنظمة سياسية وعسكرية واقتصادية كاملة بنت نفوذها ومصالحها على إدارة الصراع لا إنهائه.
منطق القوة وصناعة الفوضى
تشير الكاتبة إلى أن إيران كان لها دور أساسي في تعميق الانقسامات الإقليمية عبر شبكات النفوذ الطائفي والجماعات المسلحة والتدخلات السياسية في دول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن اختزال أزمات المنطقة في الدور الإيراني وحده يغفل بنية أوسع تحكم الشرق الأوسط منذ عقود، تقوم على ترسيخ التهديدات واستخدام الهيمنة العسكرية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأمن.
وترى أن الولايات المتحدة تبنت هذا المنطق بوضوح منذ نهاية الحرب الباردة، خاصة بعد غزو العراق عام 2003، حين قدمت التدخلات العسكرية والعقوبات والتحالفات الأمنية باعتبارها أدوات لحماية الاستقرار الإقليمي. غير أن هذه السياسات ساهمت، وفق المقال، في تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وفتح المجال أمام العنف الطائفي وصعود الجماعات المسلحة وتنظيم الدولة الإسلامية.
وتضيف أن التجربة الأفغانية كررت النتيجة ذاتها، بعدما انتهت حرب استمرت عقدين بانهيار سياسي وانسحاب أميركي دون تحقيق الاستقرار الموعود. ومع ذلك، بقيت الفرضية الأساسية حاضرة: يمكن السيطرة على الفوضى عبر القوة والمراقبة والتحالفات الأمنية.
إسرائيل والأمن الدائم
توضح الكاتبة أن إسرائيل بدورها جعلت “الأمن الدائم” محوراً رئيسياً لسياستها الداخلية والإقليمية، سواء في مواجهتها مع إيران وحزب الله أو في إدارتها لقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
ورغم اعتراف المقال بوجود مخاوف أمنية حقيقية لدى إسرائيل، خاصة بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، فإنه يحذر من تحويل الأمن إلى قاعدة تحكم كل تفاصيل الحياة السياسية، لأن ذلك يحوّل الحرب من ظرف استثنائي إلى حالة دائمة.
وتشير الكاتبة إلى أن الحروب المتكررة على غزة وحجم الدمار الإنساني الواسع يكشفان حدود التفوق العسكري، إذ يعجز السلاح وحده عن فرض استقرار طويل الأمد. كما أدى استمرار الاحتلال في الضفة الغربية إلى تكريس نظام يقوم على السيطرة المفتوحة، ما يجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة.
نخب تستفيد من استمرار الصراع
ترى الكاتبة أن القوى الخارجية ليست وحدها المستفيدة من استمرار الأزمات، إذ تعتمد نخب محلية عديدة على الفوضى لتعزيز سلطتها. ففي لبنان، تحافظ شبكات المحاصصة الطائفية على نفوذها عبر إضعاف مؤسسات الدولة، بينما حوّل نظام بشار الأسد مطالب الإصلاح في سوريا إلى حرب مدمرة فتحت البلاد أمام التدخلات الإقليمية والدولية.
وتعتبر أن القاسم المشترك بين هذه النماذج يتمثل في “الفائدة السياسية” التي تولدها الحروب، إذ تستخدم الحكومات التهديدات الأمنية لتبرير الطوارئ وقمع المعارضين، بينما تستمد الجماعات المسلحة شرعيتها من استمرار المواجهة.
وتؤكد الكاتبة أن شعوب المنطقة تدفع الثمن الأكبر، في وقت تتعامل فيه القوى الدولية والإقليمية مع المجتمعات العربية باعتبارها مجرد ملفات أمنية أو ساحات نفوذ، لا مجتمعات تطالب بالعدالة والمشاركة السياسية والكرامة الاقتصادية.
ويخلص المقال إلى أن إنهاء “الحروب الأبدية” يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير السائدة داخل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وعدد من الدول العربية، عبر التخلي عن فكرة أن السيطرة العسكرية وحدها تصنع الاستقرار.
وترى الكاتبة أن الأمن الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات فاعلة ومشاركة سياسية ومحاسبة على العنف والانتهاكات، لا إلى مزيد من العقوبات والاحتلال والصراعات بالوكالة. وتحذر في ختام المقال من أن استمرار إدارة الشرق الأوسط بعقلية الردع والحروب المفتوحة سيبقي المنطقة رهينة عدم الاستقرار لعقود مقبلة، مع امتداد آثار ذلك إلى العالم بأسره والأجيال القادمة.
https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/05/why-is-the-middle-east-prone-to-forever-wars

